هذا الرّبيع

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

هذا الرّبيع

مُساهمة من طرف molka dargaa في الجمعة 12 نوفمبر 2010, 16:02

سماؤنا في هذه الأيّام حسناء في إجازة، أم خذول تتشمّس قد انصرفت إلى زينتها وترفها لا تني تستحمّ. الشّمس تكوي جلدها وهي تستزيد. لا تشبع من النّور، تتحسّاه في غفوة لذيذة، في سبات عميق كالدّهر طولا.

هذا الرّبيع الشّحيح المكسال... لا يني يردّد وعوده، يماطلها إغراء، ويفتننا خُلْفًا حتّى ينقلب الوجد جنونا وخزْيًا.

في كلّ يوم موعد لا متجدّد مع الشّمس. إنّها هي أبدا... الشّرهة النّهوم تلحس بلسانها الكزّ الغليظ كلّ شيء. تلعقنا، تمتصّنا، تبدّد عنّا أكثر فأكثر، كلّ يوم، ذرّات الرّطوبة والحياة. ولا قطرة من غيث مدى الشّهور تبلّ ريق أرضنا العطشى ! ولا سحابة ترشّ جبهتها المحمومة !

وفي كلّ مساء نفس الرّواية تشبعك حُسْنا حتّى التّخمة وتدعك على الطّوى. نفس المشهد. روْعة الغروب كأنّه يسخر منّا، متحدّيا بفيض ألوانه، ووهج أنواره، وجماله المتولّد المتسامي أبدا.

وتلتصق الأعينُ بالآفاق تحدّق إليها، شاخصة لاهثة، تحضُنُها حضْنًا وكأنّها تريد إغراءها وفتْنَتَها، مترصّدة أدنى إشارة متحسّسة أقلّ طيف من غَمَام.

وإذا لأفق بعد لأي يمّ سراب. تمخر فيه جزر من أعناب ونخيل وجنّات وأنهار ورذاذ من زهر وديمة من نور.

سُحُبٌ. أسراب ن السّحب تتدافع وتتجمّع وإذا هي موكب واحد معمّم بالسّواد. لبْد متراصّ يبهج النّفس باكفهراره ويومئ بالغنم عبوسه.

هي ذي الشّمس تتخبّط في شبكة متكاثفة من الغيم. تطفو لحظة وكأنّها انتعشت وأنشطت من عقالها. ثمّ ترسب وتغور وقد غام نورها وطفئت جذوتها وتقلّصت كبرياؤها وماعت وذابت كالعتمة الذّلول يغزوها الظّلام.

وافرحتاه ! لقد حان البعث! سنبعث. قريبا. قريبا. المعجزة بين يدينا. نكاد نقبض عليها شدّا.

هلمّي أيّتها الوعود هلمّي أميطي الّلثام.

يا لها لحظات من الانتظار قلقة عذبة، حبلى بالفرح المكبوت، لحظات تشعر فيها بأنّك تتعاظم وتتكامل وأنّ الزّمن يخدمك يشدّ أزرك منقادا إليك ذلولا.

نعم ! شدّ ما تدعو هذه السّاعة إلى الأريحيّة الخفيفة الهفّافة تحلّق بك في أجواء الفكر والخلق سبْحا.

بردت. بردت الرّيح، واستحال الجسد حاسّة واحدة. يمتصّ بكلّ مسامّه. يتشرّب نفح الغيث وطيب نداه. إنّه عرس الطّبيعة على وشك. صفّق له القلب وعيّدت لنّفس تهليلا.

لكن ! هو ذا الجوّ يستنير شيئا فشيئا. يا للخيبة النّقمة ! هي ذي الشّمس تعود وتبرز من جديد منفلتة من إسارها. على ثغرها بسمة قاهرة ساخرة. وإذا هي تمعن في الغيم غزوا وفتكا حتّى غدا نسجا مهلهلا يتهافت ويذوب بين ألسنة النّار النّزقة العنيد.

الصّحو! الصّحو يتبوّأ عرش السّماء وملك الأبد.

المجد لك أيّتها الشّمس. المجد لك !

البشير المجدوب: "بذور"

الدّار التّونسيّة للنّشر تونس: 1968 (ص. ص. 129 ـ 131)


avatar
molka dargaa

تاريخ التسجيل : 27/10/2010
العمر : 20

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: هذا الرّبيع

مُساهمة من طرف حمدي البجار 8b7 في الجمعة 12 نوفمبر 2010, 22:46

شكراً
avatar
حمدي البجار 8b7

تاريخ التسجيل : 31/10/2010
العمر : 20
الموقع : يمكنكم الاتصال بي من خلال موقع الفايس بوك

http://www.facebook.com/Hamdi.Bejar.Officiel

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى